أبي منصور الماتريدي

292

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يقوموا ثلث الليل ، وقد أخبر - عزّ وجل - أنهم لا يحصون حد ما أمرهم به ، وإذا لم يحصوا فلا بد أن يقع هناك زيادة ونقصان ؛ فكذلك الوتر وإن كان حد عدده غير معروف فهو لا يخرجه عن حكم الفرائض ، والله أعلم . ثم في قوله - عزّ وجل - : عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ أن الله وقتما فرض عليهم علم أنهم لا يحصونه ؛ ولكن بيّن هذا ؛ ليعلموا أن لله تعالى أن يكلفهم إقامة العبادة إلى وقت لا يتهيأ لهم إحاطة مبلغ ذلك الوقت إلا بعد جهد ؛ ليعرفوا منة الله تعالى عليهم إذا أسقط عنهم ذلك التكليف ، وهو كقوله - عزّ وجل - : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً [ الأنفال : 66 ] ، ولكن ذكر هذا ؛ ليعلموا أنهم يكلفون القيام للعشرة وإن كان بهم ضعف ، لكن إذا خفف عنهم ، عرفوا ما لله عليهم من عظيم المنة . وقوله - عزّ وجل - : فَتابَ عَلَيْكُمْ يحتمل أن تكون طائفة منهم امتنعوا عن القيام ؛ فتكون التوبة راجعة إليهم ؛ ألا ترى إلى قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ، فهذا يبين أنهم جميعا لم يقوموا معه ؛ وإنما قامت معه طائفة ؛ فتكون التوبة راجعة إلى الطائفة التي امتنعت عن القيام . وجائز أن تكون راجعة إليهم ، وإلى الذين قاموا معه ؛ فيكون الذين قاموا معه قصروا [ في ] القيام عن الحد الذي شرط عليهم ؛ فافتقروا إلى التوبة - أيضا - كما افتقر إليها من تخلف عن القيام ؛ فتاب الله عليهم جميعا ، والله أعلم . وقوله : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ : فمنهم « 1 » من ذكر أن قيام الليل صار منسوخا بهذه الآية . ومنهم « 2 » من يقول بأن النسخ وقع بقوله تعالى : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ، وهي الصلاة المفروضة ، وليس بينهما فرق عندنا ؛ وإنما نسخ بهما جميعا . ووجه النسخ : هو أن فرض القيام لو كان باقيا ، لكان لا يجوز لهم أن يكتفوا من القراءة بما تيسر عليهم ؛ لأنهم إذا قاموا إلى ثلث الليل لزمهم تبليغ القراءة إلى حدّ يتعسّر عليهم ويشتد ، فإذا أذن بالاقتصار على القدر الذي تيسّر ، علم أنه قد سقط عنهم أن يقوموا ثلث الليل . ثم هو إذا قام صلاة المغرب والعشاء قد قرأ من القرآن ما تيسر عليه ؛ فصار قاضيا لما اقتضاه قوله : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ، فمن هذا الوجه استدلوا بهذه الآية على نسخ حكم القيام بالليل ، ثم هذه القراءة يقيمها في الصلاة ؛ فيكون النسخ واقعا بهما .

--> ( 1 ) قاله الحسن أخرجه عبد بن حميد عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 448 ) . ( 2 ) قاله قتادة أخرجه ابن جرير ( 35304 ) وعبد بن حميد وابن نصر عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 448 ) .